في بلدة بوسانسكي شاماتس، على التقاء نهري البوسنة والسافا، وُلد علي عزت بيغوفيتش في منزل متواضع، محاط بالذاكرة، بالحياة، بالعائلة، وبكتب تروي الصبر والمعاناة. لم تدم طفولته طويلاً هناك، إذ انتقلت أسرته إلى سراييفو حين كان في الثانية من عمره، حيث بدأ وعيه يتشكل على معاني الإيمان والشك، وعلى تقاطع ضعف الجسد وقوة الروح.

كان مرض والده خلال الحرب العالمية الأولى له تأثير عميق على وجدانه، فقد شهد هشاشة الحياة منذ صغره، وعيّن لنفسه مسؤولية أخلاقية تجاه الآخرين، خاصة حين رأى والدته، المرأة المتدينة، ترعى والده المعاق بصبرٍ وثبات. من تلك اللحظات، انطلقت تأملاته الأولى حول الواجب والرحمة، وهما معنيان سيلازمان فكره طوال حياته.

في السنوات الأولى في سراييفو، عاش في مجتمع متعدد القوميات والأديان، حيث جمع القرية البوسنية الصغيرة بين المسلمين والمسيحيين الأرثوذكس والكاثوليك في وئام ريفي طبيعي، قبل أن تلون السياسة علاقاتهم. ومن خلال صيفياته في قرية أزيتشي، تعلم بيغوفيتش أن التعايش ممكن بالفطرة، وأن الطائفية والقومية تُصنع في مكاتب السلطة لا في القرى والحقول.

انتماؤه لأقلية مسلمة في وسط مجتمع متنوع أتاح له تجربة فريدة في التفاعل مع الصراعات اليومية بين الجماعات، مما غذّى حسّه بالمسؤولية الأخلاقية تجاه مجتمعه. لاحقًا، لاحظ بعض النقاد أن هذه التجربة المبكرة شكلت لديه وعيًا جماعيًا عميقًا، وأتاح له إدراك تعقيدات السياسة والمجتمع قبل أن ينخرط فيها مباشرة.

علي عزت بيغوفيتش لم يكن مجرد سياسي أو مفكر، بل رجل يحمل انعكاسات تاريخ شعبه، ويحوّل الفكر إلى فعل، والفعل إلى تجسيد للمبادئ. خرج من الحرب كإنسان مكتمل التجربة، جامعًا بين الفكر والفعل، بين القلم والسيف، وبين الإيمان والسياسة. وقد كتب أحد تلامذته بعد رحيله: “لقد كان علي عزت آخر من كتب وهو ينزف، وآخر من حارب من أجل فكرة”.

لقد علمنا أن الكرامة لا تُنال بالانتقام، وأن القوة بلا أخلاق تصبح ضعيفة، وأن النصر الحقيقي هو أن نخرج من المعركة دون أن نفقد أنفسنا. الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك وصفه خلال زيارة لسراييفو بعد الحرب بأنه “رجل شرق أوروبي يذكّرنا بأن القيم لا تموت حتى وسط المجازر، لم يكن رئيسًا فقط، بل صوت الضمير في البلقان”.

من الطفولة إلى التمرد الإيماني

في مرحلة المراهقة، بدأ الشك يساور إيمانه، وقرأ الأدبيات الماركسية والشيوعية التي اجتاحت يوغسلافيا قبل الحرب العالمية الثانية. تأمل العدالة الاجتماعية ومشكلة الشر، متسائلاً: هل الله في صف المظلومين؟ أم أنه كما يقول الشيوعيون، في صف الأقوياء؟

لكن هذا الشك لم يدم طويلًا؛ إذ أصبح فيما بعد “إيمانًا واعيًا”، تجربة عقلية وجودية خاضها بنفسه، فالإيمان لم يعد مجرد موروث عاطفي، بل وعي نقدي متعمق. خلال هذه المرحلة، انفتح على الفلسفة الغربية، قرأ كانت وبرغسون وشبنغلر، وتأمل في التطور الخلاق ونظرية العقل، بحثًا عن حلقة وصل بين الفكر الغربي الحديث والروح الإسلامية، بين فلسفة الحرية والعدالة ومفهوم المسؤولية أمام الله. هنا بزغ مشروعه الفكري في كتبه لاحقًا، خصوصًا “الإسلام بين الشرق والغرب”.

أثناء الحرب العالمية الثانية، تخرج من الثانوية عام 1943، ورفض الانضمام إلى الجيش الكرواتي الموالي للنازية، متنقلاً بين سراييفو وبوسافينا، متخفيًا عن السلطات، مدركًا معنى الحرية الفردية والتمرد الأخلاقي ضد السلطة الظالمة. بعد الحرب، ومع صعود النظام الشيوعي بقيادة تيتو، انخرط في حركة “الشبان المسلمون”، التي سعت إلى تجديد الفكر الديني وتقديم الإسلام كقوة فكرية ومجتمعية في مواجهة الفاشية والشيوعية.

لكن هذا الوعي الجديد أدخله السجن عام 1946، حيث أمضى ثلاث سنوات في الأشغال الشاقة. هناك، في الجدران الرمادية، بدأ صقل مشروعه الفكري العميق، فخرج أكثر رسوخًا، يكتب بدايات فلسفته في الداخل قبل أن يسجلها على الورق. بعد السجن، درس الهندسة الزراعية ثم القانون، معتقدًا أن القانون إطار يربط العدالة بالأخلاق، والعقل بالإيمان. عاش دائمًا عصرين متوازيين: عصر اليقين النيوتني وعصر النسبية الذي بدأه آينشتاين.

من السجن إلى الفكرة

بعد خروجه من السجن عام 1949، أصبح شابًا في الرابعة والعشرين، يحمل إيمانًا مكتسبًا من تجربة السجن، ثائرًا على الاستبداد بجميع أشكاله، سواء من يمين أو يسار، من سلطة الحزب أو الجمود الديني. التحق بكلية الحقوق في جامعة سراييفو، ودرس فلسفة الدولة الحديثة وحقوق الإنسان، ورأى في القانون أكثر من مهنة، بل نظامًا أخلاقيًا لتنظيم الحرية.

تزوج من خالدة، وأنجب ثلاثة أولاد: ليلى وصابينا وباقر، وكان زوجًا وأبًا متواضعًا، يجلس مع أولاده للحوار والقراءة، ينقل لهم خبراته وتجارب السجن، دون أن يثقل عليهم بمرارة الماضي.

خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت يوغسلافيا تحت حكم تيتو تتمتع بانفتاح نسبي على الغرب مع قبضة حديدية على الفكر الحر. كتب بيغوفيتش أولى مقالاته الفلسفية حول الإسلام كمنظور حضاري شامل، مطالبًا بإعادة قراءة الدين في ضوء الإنسان الحديث، فواجه السلطة الفكرية والسياسية مجددًا.

عام 1983، اعتقل ضمن محاكمة “المفكرين المسلمين”، بتهمة “محاولة إحياء القومية الإسلامية”، وحُكم عليه بالسجن 14 عامًا. في زنزانة زينيتسا كتب “هروبي إلى الحرية”، مؤلفًا فلسفته حول الزمن والموت والضمير والوجود والعدالة. كتب: “السجن لا يصنع الأبطال، لكنه يكشف معدن الإنسان”، فصارت زنزانته مختبرًا للعقل والروح.

الدور التاريخي

مع انهيار يوغسلافيا، أسس عام 1990 حزب العمل الديمقراطي، حزبًا مدنيًا ذو مرجعية إسلامية، دعا لدولة مدنية تعددية تحترم الأديان والقوميات. في انتخابات 1990، فاز الحزب، وأصبح أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك المستقلة، قبل أن تبدأ الحرب العدوانية عام 1992.

قاد شعبه بثبات أخلاقي، رافضًا تحويل المقاومة إلى انتقام، مؤكدًا: “قد نُجبر على الحرب، لكننا لن نُجبر على الكراهية”. كان جيشه مدرسة أخلاقية، يحافظ على الإنسان داخل المحارب، ويحوّل الألم إلى وعي، مؤمنًا بأن “الألم مدرسة الإنسان الكبرى”.

في مفاوضات دايتون، استخدم العقل والفكر لإدارة الصراع، مؤكدًا على العدالة والكرامة قبل السلام، معترفًا بمحدودية السياسة أمام موازين القوى. وبعد الحرب، أصبح إرثه السياسي والفكري مادة للنقاش بين الأجيال، كما أسس مؤسسة علي عزت بيغوفيتش لتعزيز القيم المدنية والديمقراطية.

قراءة فكرية

بدأ إنتاجه الفكري بـ”البيان الإسلامي”، الذي ركز على الحرية والدور الأخلاقي للإسلام، ثم “عوائق النهضة الإسلامية”، نقد داخلي صارم للمجتمع، داعيًا لتغيير الذات والمجتمع، وإعادة بناء الفكر الإسلامي على أساس العقلانية. وأخيرًا، “الإسلام بين الشرق والغرب”، رؤية فلسفية متكاملة تجمع بين الحرية والأخلاق والدين والحداثة، وتظهر خصوصية التجربة البوسنية.

كان علي عزت بيغوفيتش صوتًا أخلاقيًا وسياسيًا وفلسفيًا في آن واحد، جمع بين الفكر والعمل، بين الحرية والدولة، بين الإنسان والمواطن، ليترك إرثًا خالدًا في البلقان والعالم، نموذجًا للتفكير السياسي والأخلاقي الذي يتجاوز الانقسامات القومية والدينية.

كما قال هو بنفسه: “كل جيل يقرؤني بحسب حاجته، وكل تجربة تعيد تشكيل فهمه لي”.

شاركها.

اترك تعليقاً

Exit mobile version